07 مارس 2007

ســامية

 For us, there is only the trying. The rest is not our business. 
T.S. Eliot, Four Quartets, East Coker.


محاولات سامية
في مدونة «سامية» تنوعٌ قلما أجد نظيراً له في المدونات الأخرى: نصوص أدبية، ومقالات لبعض كبار الكتاب، تنشرها في الغالب بإذن منهم، وتدوينات سياسية وأخرى عن مبدعين في الموسيقى («حازم شاهين» وفرقة «اسكندريللا») والفنون التشكيلية («حامد العويضي» و«سمير فؤاد»)، والمسرح («خلود ناصر» و«أكرم خان»)، وأخبار عن نشاطات المبدعين من الأهل والأصدقاء، وتَواصُل مع جمهور الحفلات الموسيقية والأمسيات الشعرية التي تشارك فيها.

لا غرابة، مع كل هذا التنوع، أن تجتذب «محاولات سامية» جمهوراً واسعاً من المدونين وقراء المدونات، وتنال شهرةً يُسهم في صنعها أيضا التجاوب الذي تلقاه من جمهورٍ متزايد يشاهدها ويُعجب بما تقدمه في الأمسيات الشعرية والموسيقية، إضافة بالطبع إلى اسم «جاهين».

كانت مدونة «سامية» هي الباب الذي دخلتُ منه إلى فضاء التدوين، معلقاً في البداية على تدوينة لها، ثم مشاركاً، مرة أو مرتين، في سجالٍ صاخب دار على صفحات المدونة. وكانت هذه المشاركة هي التي أقنعتني بأن بعضاً من أصحاب الأصوات الأكثر جلبةً وضجيجاً في عالم المدونات يعيش حالة انفصام عن الواقع. واستقر في يقيني عندئذ أن تلك الأصوات لا تعدو أن تكون عَرَضاً من أعراض الأزمة التي نعيشها، عَرَضَاً للحيرة والإحباط، وليست بشيراً بالأمل في قهر العجز و الخروج من النفق المظلم. ومن هنا كان قراري بالمشاركة في التدوين.

مدونة «سامية»، في اعتقادي، هي محاولة لقهر العجز، للتمرد على الإحباط والحيرة: همزةُ وصلٍ تربطنا بكل ما هو مضيء في تاريخنا. ضوءٌ قويٌ مُسلط على المواهب الواعدة. يدٌ تشير بقوة إلى القوى الحية التي تنهض وتقاوم رافضة الاستسلام، تشيرُ إلى الجديد الذي يتخلّق في رحم الواقع و تعجز عن رؤيته العيون الكليلة التي أدمنت اجترار الهزيمة وجلد الذات.

لا أخفي عليكم أنني أفرح مع كل نص أدبي جديد لـ«سامية» إذ أتابع لغتها وهي تكتسب على مر الأيام كثافةً شعرية، ومذاقاً خاصاً تنفرد به، وقواما متماسكا مُحكم البناء، وهي التي بدأت الكتابة بالعربية، كما أعلم، منذ زمن قصير جدا. هذا، في نظري، جانب مهم من جوانب ’قهر العجز‘: أن يسعى كلٌ منّا إلى الارتقاء بقدراته، إلى تحصيل مزيد من المعرفة والتجويد في عمله. الاستمرار في الإبداع، في ظروفنا، دليلُ مقاومةٍ ورفض للتدهور. كان هذا ما دفعني للكتابة عن «هبة» و«إيمان ثابت» و«زنجي» و«السهروردي» و«رحاب بسام»، وهو ما يدفعني اليوم للكتابة عن «سامية».

سأكتفي في هذا المقال بالوقوف أمام نص أدبي واحد لـ«سامية» هو قصتها القصيرة ”قزاز لكن زي المراية“، ثم أتحدث بإيجاز عن اللغة في نصوصها الأدبية، و اختم في النهاية بانطباعاتي عن شخصية «سامية»، الوحيدة، التي أعرفها عن قرب، من بين كل المدونين الذين أنوي الكتابة عنهم ضمن هذه السلسلة من المقالات.
*****
تتحرك محاولات «سامية» في الكتابة الأدبية بين نوعين من النصوص: نصوص تعتمد على الإيهام بمحاكاة ’الواقع‘ فتسرد أحداثا حقيقية أو متخيلة على نحو ما نعيشها في حياتنا اليومية، ونصوص سردية أخرى يمكن تسميتها ب’المجازية‘ (allegorical) تبتعد عن الإيهام بالمحاكاة وتدور أحداثها في إطار مفارق ’للواقع‘ المألوف. ينتمي إلى النوع الأول نصوص مثل ”بنات زينب“ و”العودة“ و”وداد“ و”طنط لبيبة الحبيبة“ و”عنوان مش فاكراه دلوقتي“، بينما ينتمي للنوع الثاني ”الكاتب والمكتوب“ و”صليب كل يوم“ و”إلى أسفل“ و”قزاز لكن زي المراية“.

هل اعتراكم مثلي، حين قرأتم ”قزاز لكن زي المراية“، شعورٌ ممضٌ بالأسى وهي تصف لنا العجز الذي ألِفه البعض منا واستنام إليه؟

يستهلُ السردَ في هذه القصة صوتٌ يستخدم ضمير المتكلمين:
.. في كل صباح ننهض من فراشنا، نخلع عن أجسادنا الكوابيس ونكسوها بأقطان وحرائر ناعمة ونبدأ معا- كل على حدة- رحلة فقدان الذات اليومية. لا صعوبة فيها.. فكل الطرق ممهدة وجميعها تؤدي إلى روما.. إلى النادي.. أو المقهى الأمريكي.. أو الفيلم الأمريكي.. أو الحلم الأمريكي.
يقول لنا الصوت أن ثمة حاجزاً زجاجياً هائلاً يفصل هذا الجمع، الذي ينتمي إليه هذا الصوت و يتحدث بلسانه، عن إمرأة تبدو لهم، فجأة، من بعيد ملوّحة بأيديها في الهواء كالغرقى:
كالسيوف قطعت يداها حديثنا البهيج.
كنا نمرح ونلهو ونتبادل نكات حفظناها وتناسيناها حفاظا على أمزجتنا من كدر الحياة.
كنا نسير متشابكي الأيدي متناسقي الألوان، لا تبدو علينا غربة ولا أحزان..
لكن هذا الصوت الذي يتحدث بضمير المتكلمين لا يلبث أن يختفي. يأتينا بدلاً منه صوت آخر يشير إلى هذا الجمع المرح السعيد بضمير الغائبين (تستخدم «سامية» الحروف المائلة كي تلفت أنظارنا إلى تغير الصوت وانفصاله عن الجمع):
كيف جرؤت تلك الحمقاء أن تلوّح بأيديها هكذا قاطعة خيوط أفكارهم؟ كيف اعتقدت أنهم سيستجيبون؟ ألم تكن تعلم أن الأشياء تبدو أقرب حين نراها من خلف الزجاج؟ ألم تدرك بفراستها وذكائها ومحاولاتها عبر السنين أن نداءها غير مسموع وأنه لم تعد هناك أرواح في أجسادهم الناعمة لتستجيب؟
هل رأيتم كيف استخدمت «سامية» هذا الصوت – صوت ’الشاهد‘ أو ’المعلق‘ الخارجي إذا جاز التعبير، المتميز عن الجمع وعن المرأة المستغيثة (يصفها ب ”الحمقاء“) - كي توحي إلينا بأن هذا ’الشاهد‘ قد فقد كل أمل في هؤلاء، وأنه يلوم المرأة على استمرارها في محاولاتها غير المجدية للاستغاثة بهم؟

يعود الصوت الأول (الذي يستخدم ضمير المتكلمين) ليقول:
مررنا من أمام السور الزجاجي ولوحنا بأيدينا مبتسمين. حاولنا! حقا حاولنا. لكنها لم تضحك على نكاتنا ولم تسمع أغانينا. تسمرت في مكانها وبدأت عيناها في التحول إلى كرات زجاجية. ومن عينيها إلى وجهها ثم عنقها ثم صدرها، في ثوانٍ أصبح جسدها كله تمثالا من الزجاج الشفاف، امتزج بالحاجز الزجاجي الذي يعزلنا عنها، فلم نعد نراها.
تنفسنا الصعداء وذهبنا آمنين مبتهجين.. لا تبدو علينا غربة ولا أحزان.
تنتهي القصة وتبدأ الأسئلة: أي عالم هذا الذي تُحدّثنا عنه؟ تتحدث عن سور زجاجي هائل، لكنه- كما ينبهنا العنوان- ”قزاز لكن زي المراية“، زجاج يعزلنا عما وراءه ويؤدي، في الوقت نفسه، وظيفة المرآة: نرى فيها صورتنا الخارجية، نُعجب بهذه الصورة تارة، نُفْتتنُ بها تارة أخرى، نرضى بها على مضض أحيانا، لا نصدّقها في بعض الأحيان، ننفر منها في أحيان أخرى، ننشغل بها كثيرا وربما طيلة الوقت، لكن المرآة تحجب عنا دائماً ما وراءها.

خطر لي، وأنا أقرأ هذه القصة، ما قاله الكاتب المسرحي البريطاني الكبير «هارولد بنتر» في حفل تسلمه لجائزة «نوبل»: ”حين ننظر في مرآة نظن أن الصورة التي تواجهنا دقيقة. ولكنك لو تحركت ميلليمتراً واحدا لتغيرت الصورة. تطالعنا المرآةُ الآن، في واقع الأمر، بصفٍ لا نهائي من الانعكاسات. لكن من واجب الكاتب، أحيانا، أن يحطم المرآة- ذلك أن الحقيقة تطالعنا محدِّقة في وجوهنا على الجانب الآخر للمرآة“.

هل هذا الحاجز الزجاجي هو شاشة التليفزيون التي تنقل إلينا ما نتوهمهُ صورةً حقيقية للواقع في العالم، بينما هي تعزلنا- في حقيقة الأمر- عن هذا الواقع، تلهينا عنه وتحوّلنا إلى مجرد متفرجين؟ هل هو حاجز نقيمه نحن داخل أنفسنا ونحرص أن يكون زجاجيا شفافا لأننا ممزقون بين رغبتنا في معرفة العالم ورغبتنا في الاحتماء منه للنجاة بأنفسنا؟ هل هو حاجز تقيمه السلطات المتحكمة فينا وتريده شفافاً حتى لا نفطن إلى وجوده؟..

هذه المرأة التي تلوّح طالبة النجدة، من وراء هذا السور الزجاجي العازل، هل هي العالم علي اتساعه بكل ما يجرى فيه من أحداث، بكل ما يشهده من كوارث لم نعد نكترث لها وبكل ما يحققه من تقدم لم نعد نشارك فيه؟ هل هي بلادنا التي لم نعد نأبه لما يحدث لها حتى أصبح الاهتمام ب’الشأن العام‘ سبةً ودليلَ تخلفٍ وعبثية في نظر البعض؟ هل هي ’الآخر‘ الذي نقيم المسافات بيننا وبينه، لا نكلّف أنفسنا مشقة فهمه، وننظر إليه في كثير من الأحيان كمجرد أداة لتحقيق أغراضنا ”والشاطر هو اللي يقدر يلوي دراع التانى ويجيب دماغه الأرض“؟ هل هي جماهيرنا المسحوقة، المُذَلة والمُهانة، المكتوية بنار الفقر والبطالة والقمع والإهمال والمرض؟ أم تراها نفوسنا التي لم نعد نجرؤ على النظر بداخلها وتركناها كالجثث الطافية على صفحة الماء، تحركها التيارات والرياح كيف شاءت؟

مر، هؤلاء السعداء بأنفسهم، من أمام السور الزجاجي ولوحوا بأيديهم للمرأة المستغيثة مبتسمين! لا يلبث جسد المرأة أن يتحول إلى تمثال من الزجاج يمتزج بالحاجز الشفاف، فيعجز الجمع اللاهي عن رؤيتها. هل يريد النص أن يقول لنا: من تجاهل العالم تجاهله العالم؟ من هانت عليه نفسه، فكف عن المشاركة في صنع الواقع وتغييره، هان على الناس؟... اختفت المرأة عن أنظارهم. أحست بعجزهم عن التواصل معها، فتنفسوا الصعداء، وكأنما إنزاح كابوس وجودها عن صدورهم، وذهبوا آمنين مبتهجين... لا تبدو عليهم غربة ولا أحزان!

هذه القصة الجميلة، على قصرها، ’نص مفتوح‘ يحتمل تأويلات وقراءات شتى..
ما أعنيه هنا بالنص المفتوح (open text) هو النص الذي ينطوي على مستويات مختلفة للمعنى، النص الذي يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة ولا يسعى إلى حمل القارئ على التوقف عند تفسير واحد بعينه. نحن هنا بإزاء نص يشكِّل المجاز لحمته وسداه، يحدثنا بلغةِ تومئ أكثر مما تُفصح وتُخفي أكثر مما تُبدي. تقول «سامية» في ردها على أحد المعلقين (على قصتها ”إلى أسفل“): ”بحاول أرسم مشهد أو كابوس بنعيشه كل يوم.. وبنتعامل معاه كإنه مش موجود“. من هنا يبتعد هذا النوع من النصوص، بقدر أو بآخر، عن لغة السرد ’الواقعي‘ المألوف.

هذا، فيما أعتقد، نهج صعب محفوف بالمخاطر في الكتابة الأدبية، وفي القصة القصيرة بدرجة أكبر، ذلك أنه يقتضي قدرا من التجريد والاقتصاد في التفاصيل قد يصيب العمل الأدبي بالجفاف ويحرمه من تجاوب الكثير من القراء. لكنه، على الجانب الآخر، يمكن أن يكون سلاحاً فعالاً في يد الكاتب الموهوب لإيقاظ إدراك القراء وكسر ما يشعرون به من أُلفة وتعود، وربما عدم اكتراث، إزاء ما يجري أمامهم من أحداث. هذا الـ’كسر للشعور بالألفة‘ (defamiliarization) هو وظيفة جوهرية من وظائف الفن. لا غرابة أن تبرز أهمية هذه الوظيفة في أدب القرن العشرين (على سبيل المثال في أعمال «كافكا»، و’الواقعية السحرية‘ في أمريكا اللاتينية وفي مسرح «بريخت» و«هارولد بنتر»). ولا شك أن هذه الوظيفة تكتسب اليوم أهمية أكبر في عصر ’القرية الكوكبية‘ و’السماوات المفتوحة‘ الذي يعمِّق فينا، بصوره التي تتابع أمام عيوننا ليل نهار، هذا الشعور بالألفة.

من خلال هذا النص المُحكم البناء، بكل ما يوحي به من تفسيرات، تحاول «سامية» أن تهز هذا التبلد في مشاعرنا. تصرخ فينا: لابد من الإطاحة بهذا السور/المرآة! تقول لنا: لا أمل في هذه ’النخب‘ الناعمة الأجساد الميتة الروح، المولعة بمطالعة صورتها في المرآة، المشغولة ب’تناسق الألوان‘، ب’الديكور‘ البراق، بينما السوسُ ينخرُ البيتَ من أساسه والبناءُ كله مهددٌ بالانهيار! تستصرخ وعينا وضمائرنا: إلى متى نرضى بالهروب من قسوة الواقع، من عالمنا الذي ينْضَح بالكذب والظلم والجريمة، وراء هذا الحاجز الزجاجي الذي انقلب إلى مرآةٍ تُطالع كلاً منّا بصورته الخارجية وتُلهيه
الصرخة - إدفار مونش
بها، وتخفي عنا ذواتنا المنفصمة بين ليلِ، كله كوابيس، ونهارِ كله عجز مُذِّل، وأنانية عمياء، وخداع قاس للنفس؟ إلى متى نرضى لأنفسنا الاستمرارَ في التواطؤ؟ إلى متى نترك كلَ شيء للانهيار.. كلَ شيء حتى ذواتنا التي نتوهم أننا نحميها بهذا التواطؤ؟

قصة «سامية» هذه صرخةٌ أخرى تُذكّرني ب”صرخة“ «إدفار مونش» الشهيرة. لا عجب أن مست هذه القصة أوتاراً في مبدعين آخرين فتجاوبوا معها: ”آي يا سامية!“، تصرخ القاصة «رحاب بسام». ”جميل وموجع!“، يقول الشاعر «محمود عزت». ”القصة بديعة فعلا بس بتوجع أوي“، يقول الروائي «حسام فخر». ويعلّق الكاتب «ياسر ثابت» بأسى: ”لعنةُ أن نَرى.. أشدُّ وطأةً في بعض الأحيان من نعمةِ أن نتكلم“.
*****
لغة الكتابة الأدبية لـ«سامية»، لغة غنية بالمجاز، بالتشبيهات والاستعارات والكنايات. قلت في بداية المقال إن لغتها ”تكتسب على مر الأيام كثافة شعرية“. كتبت «سامية» نصا بعنوان ”عقل مستسلم لفوضى الأشعار“. لا شك عندي أنها عقل مستسلم لإلحاح الشعر. الشعر حاضر بقوة في كتابتها النثرية، نشعر به في كثير من صورها المجازية كما نشعر به في طريقة تقطيعها للجُمل وفي لجوئها إلى تكرار بعض المقاطع أحيانا. سأكتفي بأمثلة قليلة:
”في كل صباح ننهض من فراشنا، نخلع عن أجسادنا الكوابيس..
(قزاز لكن زي المراية)

وأظل أغوص في دوامة الهموم حتى تأخذني إلى القاع حيث تسبح طفلة صغيرة في غلالة من دموعها.
(العودة)

تهبُّ الطيور معا مثل أمواج البحر المتلاحقة ثم تنساب في هدوء وتتفرق.. ثم لاتلبث أن تتجمع وتحط على الأشجار مرة أخرى، فتبدو الأشجار، التي تساقطت أوراقها في الخريف، وكأنما أثمرت طيورا.
(العودة)

كان متربعا في قلبي ينتظر دموعي لترويه..
تفتح في قلبي رويدا رويدا فصرت أراه في كل شيء.
رأيته زهورا وبحارا وسماء،
سلاحا في يد رجل يدافع عن أرضه،
عيونا تبكي الشهداء.
وكان الحق الواضح الذي لا يفرض نفسه،
نفسي التي طالما اشتقت إليها..
وكان جميلا يحب الجمال.

(صليب كل يوم)

"يصعد اللبلاب من عمق البحيرة ويلتف حول ساقيّ العاريتين. يُحكم قبضته عليهما ويجذبني معه في بطء وثبات وقوة إلى أسفل.
("إلى أسفل"- بداية النص)

يصعد اللبلاب من عمق روحي ويلتف حول قلبي العاري. يحكم قبضته عليه ويجذبني معه في بطء وثبات وقوة إلى أسفل.
("إلى أسفل"- نهاية النص)
تتحرك «سامية»، مثلما يصف «السهروردي» نفسه، ”على شط بين جبال النثر على شمالي وبحور الشعر على يميني“. تطمح إلى تحدي المألوف والروتيني والمستهلك في الكتابة الأدبية. لا تكف عن التجريب وإن ظلت عينها دائما على ’التوصيل‘، على إبلاغ الرسالة، لأنها تحمل في جوانحها، كما قال الشاعر الإنجليزي «شللي» عن نفسه، ”توقاً عارماً إلى إصلاح العالم“.
*****
أكثر ما أحبه في شخصية «سامية» هو ما استشفه داخلها من إحساس عميق بالوحدة بين الطموح الشخصي وطموحات الأهل والوطن. تسعى بكل جهدها للتجويد في الكتابة.. تنأى بنفسها عن الادعاء والغرور فتسمي مدونتها ”محاولات سامية“.. تحرص، قدر طاقتها، على احترام قواعد النحو حين تكتب بالفصحى، و يتملكها الوسواس خوف الوقوع في الخطأ، فتقل الأخطاء مع كل تدوينة جديدة لها.. تحفظ قدراً كبيراً من شعر «صلاح جاهين» و«فؤاد حدّاد» ومن شعر «لوركا» و«بابلو نيرودا» بلغتهما الإسبانية التي تتقنها.. تتابع، باهتمام، الجديد في الأدب العربي والأجنبي ولا تخجل من الاستفسار والتعلم من كل من تعتقد أنه قادر على إفادتها.. تفعل كل ذلك لا لأنها حريصة فحسب على ’صورتها أمام الآخر‘ أو على تأكيد جدارتها بالانتساب إلى اسم أبيها العظيم، بل لأنها حريصةٌ أيضا على صورتها ’أمام نفسها‘، حريصةٌ- قبل ذلك- على إعطاء هذا الرصيد الشخصي للأهل والوطن. كأني بها تعيش في كل لحظة دعاءَ «فؤاد حدّاد»: ”يا رب ولا يتبدّل أبداً حمل الوطن من على أكتافي“.

سامية تغني مع فرقة إسكندريللا في مسرح الجراج - الجزويت - الإسكندرية
هل رأيتموها وهي تؤدي أشعار «فؤاد حدّاد» أو أغاني «سيد درويش» على المسرح، هل لاحظتم كيف تحتشد معها، وتطاوعها، كلُّ خلجةِ في كيانها؟ هل رأيتم كيف تضيءُ العينان، كيف يتملك الإيقاعُ القدمين، كيف تتغير ملامحُ الوجه ونبراتُ الصوتِ بطواعيةٍ، وفي سلاسةٍ، وكأنما بغير جهد؟! هل سمعتموها وهي تقدّم بصوتها قصةً قصيرةً لصديقتها «رحاب بسام»؟ لا.. ليس هذا مجردَ حرصٍ على الصورة أمام الآخر. لا.. «سامية» لا تتزين لمواجهة الآخر! «سامية» تعطينا حقيقةَ نفسها، تعطينا جَمالَها الداخلي الباهر بحق: الوفاءَ للقيم الكبيرة في حياة هذا الوطن، لرجالٍ مثل «سيد درويش» و«فؤاد حدّاد» و«صلاح جاهين»، الحرصَ على أن تكون جديرة بالانتساب لهم، ثم الوفاء للصداقة أيضا.

تقول سامية في تدوينة لها: ”الشكل الخارجي مسألة ثانوية و لا قيمة لها طالما ظللت لا أرى في داخلي أي شيء جميل“. (ثقل مألوف)
*****
لا غرابة، إذن، أن يكون لـ«سامية» هذا ’الحضور‘، يبادلها الناس حباً بحب وعطاءً بعطاء. يستشفون فيها، هم أيضاً، هذا الجمال الداخلي. يشعرون بها واحدة منهم. إقرأوا تعليقات بعض زملائنا المدونين ممن لا تربطهم ب«سامية» صلة شخصية مباشرة:
  • ”سامية. لا أعرف كيف أصف آدائك سوى انك كنت تغنين بكل ذرة في كيانك، فملامح وجهك تتشكل مع الكلمات، ويداك ترسمان الألحان في الفضاء، وجسدك كله ينطق الحروف ببلاغة يُحسد عليها.“
  • ”كنتي هايلة وعديتي الجمهور فعلا بحالة الحب والانتشاء اللي كنتي فيها. ربنا يخليكي لنا يارب.“
  • ”كان معايا واحد صاحبي أسباني ومكانش فاهم الكلام خالص
    بس كان حاسس بحضور طاغي للفرقة
    خصوصا انتي
    بتبقي منفعلة وبتغني كأنك بتتكلمي مع الناس.“
  • ”زوجي بيقولي الجميل في أداء سامية إنك تحسي انها واحدة من العيلة كده مفيش بينا وبينها أي تكليف.“
*****

هل تسمحون لي، بعد هذا كله، أن أقول إن «سامية» قيمةٌ تُضاف إلى رصيد الوطن وتكبر مع الأيام.

لا تزال «سامية» في مقتبل العمر ولا يزال الطريق أمامها طويلا...

قلبي معها!