| ”صاحب الحق عينه قوية“ مثل شعبي |
أطرب أيضا لما يكتبه «زنجي» و«السهروردي» بعاميةِ مصرية شجية تشدّك بنضارة مجازاتها وثراء إيقاعاتها (كان شاعرنا العظيم «فؤاد حداد» يصف شعره بأنه ”رسم صيني وطبل زنجي“، وها نحن أمام طبل زنجي والسهروردي!). تستقر في ذاكرتي عبارات لهما مثل:
”بيفرحني الجمال، بيفرحني أشوفه واسمعه واحسه والمسه، بيفرحني أحضنه والعب في شعره.“ليس لدى «زنجى» و«السهروردي» ما يخفيانه. هما – بأريحية وطيب خاطر- كِتابٌ مفتوح! من مدونتهما، «افهم»، تعرف الأحياء التي سكنا فيها والمدارس التي التحقا بها في الطفولة والصبا.. تعرف أسماء كثير من أصدقاء الطفولة.. الكتب التي كانا يقرآنها.. الجد والجدة (للأم).. بعض الأقارب.. عمل الأم (الأم التي تقرأ لطفلها رباعيات «صلاح جاهين»، وتصحبه إلى دروس البيانو، وتغني معه ”زهرة المدائن“).. عمل الخالة (الفنانة التشكيلية) ومعاركها ضد الفساد الإداري.. بعض صديقات الأم (السيدة «منى الشبراوي» التي قرأ «زنجي» على يديها ”القفص الزجاجي“ و”الحب في زمن الكوليرا“، والسيدة المناضلة «ندى القصاص») .. وحتى بعض وقائع الحياة الأسرية والعاطفية التي قد يتحرج البعض من إعلانها على الملأ. هذا في اعتقادي دليل صحة نفسية. ألاّ يكون لديك ما تخاف من إعلانه.. هذا جميل جداً. يشدني إليهما أيضاً الحب الذي يتكلمان به عن أصدقائهما من المدونين.. «ياسر ثابت» و«ياسر نعيم» و«جيفارا» و«شريف نجيب» و«زرياب» و«سامية» و«عمرو». مع «زنجي» و«السهروردي» أحس أنني أمام شهامة ووفاء ’ولاد البلد المأصّلين‘، رغم أنهما من قراء «ماركيز» و«كويلو» و«كونديرا» و«جونتر جراس»، ويتابعان آخر الأغاني والأفلام الأجنبية! ليس في «زنجي» و«السهروردي» ذرة واحدة من الادعاء.(«زنجي»: بفرح)
”ولما تِبْقي لابسه السويت شيرت الزرقا والبنطلون القطن الازرق وخطين حَمر على دراعك، وشك مرتاح وابيض والنمش هنا وهناك عامل زي النجوم في صفحة السما، كنتي تقتليني من غير تفاهم.“(«زنجي»: البنت ام شعر أحمر)
”بتمشّى على شط بين جبال النثر على شمالي وبحورالشعر على يميني.“(«السهروردي»: من أوضتي.. بيان بدء الربيع)
”عربيات البلدية جات النهارده لقص الأغصان الطويلة من على الأشجار. لكن المقص لابيفرق بين غصن طويل وغصن صغير.. شايف دلوقت غصن شبهى يحاول الاختباء ورا أطول الأغصان.“(«السهروردي»: من أوضتي.. بيان بدء الربيع)
يبهرني فيهما أيضا اتساع الأفق، وتعدد الاهتمامات، والدأب على التحصيل: أقرأ بإعجاب النقد السينمائي الذي يكتبه «زنجي» في «كيس فيشار» ( لا أضيف جديداً إذا قلت إنها من أجمل المدونات العربية المتخصصة سواء من حيث المادة التي تقدمها أو التصميم الجرافيكي)، وأتابع على مر الأيام المختارات الشعرية التي يقدمها لنا «السهروردي» في مدونته الجميلة «سيف خشب»، وأعرف مما يكتبانه أنهما يتابعان كل جديد في الموسيقى والكتابة الأدبية.
أجمل ما في هذين الشابين الموهوبين، هو أن هذا الانفتاح على ثقافات الآخرين– بكل ما فيها من ثراء وقدرة على الإبهار وبكل ’مدفعيتها الثقيلة‘- لم يقتلعهما من جذورهما ولم يحولهما إلى أنصاف ’خواجات‘ يتأففون من أبناء شعبهم ’المتخلفين‘، أو إلى مهزومين في عقولهم يجترون مشاعر الإحباط والعجز. ما أجمل «السهروردي» وهو يقول: ”بكل عناد طفولي أقدر أقول: بكره أجمل من النهارده!“
ما أجمله وهو يستصرخ النور الذي يراه في نهاية النفق المظلم:
”تبّاع على ميكروباس خط إمبابه - جيزة.. بياع جرانين في طلعت حرب..أبتسم لحماستهما وصخبهما حين يردان على خصومهما في الرأي، وأضحك لتعليقاتهما حين يعربدان، بخفةِ ظلٍ آسرة، على صفحات مدونة «أبو الليل» حيث البساط أحمدي ولا حواجز تعوق الانطلاق. سلاحهما جاهز دائما، وهما يتركان للخصم حق اختيار نوع السلاح: إن لزم حدود الأدب فهما مؤدبان مثله وزيادة، وإن لم يلزمها فليتحمل النتائج وهو الجاني على روحه! أجفل أحيانا لحدة النبرة. لكنني لا أخفي عليكم حبي لهذه الحماسة. أحب جدا أن يحتشد صاحب الرأي بكل كيانه للدفاع عما يعتقد انه الحق، ولا أطيق ’رخامة‘ الكتابات ’العديمة المِرِوَة‘ بالتعبير الشعبي، الفاقدة للون والطعم والرائحة. حين توقن بأن ما تدافع عنه هو الحق لا تُمسك بالعصا من المنتصف، قُل ما عندك بغير شطط ورزقك على الله. لكنني مع ذلك اعتب على «زنجي» لغته الحادة وهو يرد على «بت مصرية». كيف غاب عنك يا «زنجي» أن رجلاً مهذبا مرهف الحس مثلك كان لابد له أن يراعي انه في حضرة آنسة قد يمنعها الحياء من استخدام مثل هذه اللغة الحادة. لا أخفي عليك أيضاً، لكي أكون منصفا لك، أن تعليقاتكما– أنت و«السهروردي»- على ما كتبته الآنسة المصرية أقنعتني باتساع حصيلتكما المعرفية وبأنكما تصدران في موقفكما عن اقتناع وليس عن اندفاع أجوف. لا أنكر أنني فرحت بكما، ولكن اللغة الحادة أوشكت، للأسف، أن تغطي على قوة الحجة. القضية التي أثارتها زميلتنا «بت مصرية»– قضية الانتماء العربي لمصر- قضية شائكة ومعقدة، بحكم ظروفنا المصرية والعربية الراهنة وبحكم ما تعرضت له هذه القضية من هجوم وتشويه على مدى عقود طويلة، وكانت تحتاج، في رأيي، إلى نبرةِ أهدأ. علينا أن نقدّر ما لدى الآخرين من مخاوف وأن نلتمس لهم العذر حين يختلفون معنا، فما بالك و«بت مصرية» تتطلع، مثلك ومثلي، للنهوض بمصر- وطنها الذي تحبه. وهل نهضت مصر مرة، على امتداد تاريخها الطويل، دون أن تسارع إلى التلاحم مع محيطها الجغرافي والبشري؟ فلتعمل زميلتنا «بت مصرية»، ونحن معها، من أجل نهضة مصر وستجد مصر نفسها، بمجرد النهوض، في حضن محيطها العربي مرة أخرى! أكثر ما آلمني في تلك المناقشة الصاخبة هو نبرة التعصب الطائفي التي تبدت فيما كتبه بعض المعلقين سواء في مدونتك أو في مدونة «بت مصرية». لم يكلف هؤلاء أنفسهم مشقة الرجوع إلى مدونتك للتعرف على حقيقة موقفك. هاجموك دون أن يعرفوا أنك قلت في إحدى تدويناتك:
صبي في محل كشري في العمرانية.. الأسماء كتير بس الشخص هوه هوه واحد..
نفس الصورة البشوشة والضحكة المنوّرة والقلب الأخضر والإيدين اللي حتضرب الحديد.
.....
تانى مره صرخت... ’مدد ياللى بتقرب... مداااااااااااااااااااااااااااااد‘“
”يمكن أن ازعم بضمير مستريح ان القصص الانجيلية أثرت بشكل فعال في تكويني. لا زلت أحب صور القديسين في الأيقونات. لازلت أتأثر لقصة صلب المسيح. لازلت اعتبره مخلص العالم من الشرور. لازلت أحبه وأحب صوره. لازلت اعشق العدرا التي أرى فيها أمي بشكل من الأشكال. مازلت لا أفوّت الفرص لزيارة الكنائس بعيدا عن المزيدات وكلام الوحدة الوطنية. لكني والأمانة لله لم أشعر يوما باختلاف بيني وبين أحد ولم يشعرني أحد بالاختلاف بيني وبينه..“قلتَ هذا الكلام بشجاعة رغم ما قد يجلبه عليك من سخط وإساءة تفسير من بعض المتعصبين على الجانب الآخر. ومع هذا هاجموك وقلبوا الموضوع إلى اشتباك طائفي! أعاني أنا أيضا من أمثال هؤلاء المعلقين. يقرأ الواحد منهم جملة أو حتى نصف جملة من كلامك ويشم، أو يتخيل انه شم، رائحة اتجاهٍ ما فيبدأ في الهجوم على ما يتصور انه أفكارك...
ما علينا! أخذني الكلام... هل أقول ل«زنجي» أيضا إنني ’مت على روحي من الضحك‘ وأنا أتعلم منه مثلاً شعبياً جديداً علىّ: ”وزغرطي ياللي منتيش غرمانه!“. أضفته، بعد إذنك، إلى حصيلتي من الأمثال الشعبية.
مع «زنجى» و«السهروردي»، وأمثالهما من شبابنا الموهوب، نشعر بأن الشتاء الطويل الذي أطبق على مصر لم يقض على كل شيء، كما قد يتوهم البعض منا في لحظات الإحباط والتحسر؛ نشعر بأننا نملك بالفعل ما نستطيع أن نبني عليه ونتسلح به ونحن نتجه صوب المستقبل من جديد.
(المقال القادم: "مولودة للحواديت وشم الورد!")





يحيى حقي
فؤاد حداد
بول روبسون
"هز الهلال" حفل جديد لفرقة إسكندريللا يوم الأربعاء 27 ديسمبر في ساقية الصاوي الساعة 8.30. تقدم الفرقة أغاني لسيد درويش والشيخ إمام وزياد الرحباني. كما تقدم لأول مرة أغاني من ألحان حازم شاهين وشادي مؤنس كانوا قد شاركوا بها في أمسيات شعرية سابقة مثل امسية "إزرع كل الأرض مقاومة" التي 
